محمد جمال الدين القاسمي
294
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
من حال من ظن أن أحدا لا يحلف حانثا . وهكذا فعل آدم عليه السلام ، فإنه أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها ناسيا لنص القرآن ، ومتأولا وقاصدا إلى الخير ، لأنه قدّر أنه يزداد حظوة عند اللّه فيكون ملكا مقربا أو خالدا فيما هو فيه أبدا . فأداه ذلك إلى خلاف ما أمره الله به ، وكان الواجب أن يحمل أمر ربه على ظاهره ، لكن تأول وأراد الخير فلم يصبه . ولو فعل هذا عالم من علماء المسلمين لكان مأجورا ، ولكن آدم لما فعل وأخرج عن الجنة إلى الدنيا ، كان بذلك ظالما لنفسه . وقد سمى الله تعالى قاتل الخطأ قاتلا ، كما سمى العامد . والمخطئ لم يعمد معصية . وجعل في مثل الخطأ عتق رقبة ، وهو لم يعمد ذنبا . انتهى . وقال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية وجماعة من المتأخرين : الصواب أن آدم عليه السلام ، لما قاسمه عدو الله أنه ناصح ، وأكد كلامه بأنواع من التأكيدات : أحدها القسم . والثاني الإتيان بجملة اسمية لا فعلية . والثالث تصديرها بأداة التأكيد . الرابع الإتيان بلام التأكيد في الخبر . الخامس الإتيان به اسم فاعل لا فعلا دالا على الحدث . السادس تقدم المعمول على القليل فيه . ولم يظن آدم أن أحدا يحلف بالله كاذبا يمين غموس ، فظن صدقه ، وأنه إن أكل منها لم يخرج من الجنة ، ورأى أن الأكل ، وإن كان فيه مفسدة ، فمصلحة الخلود أرجح ، ولعله يتأتى له استدراك مفسدة اليمين في أثناء ذلك باعتذار أو توبة ، كما تجد هذا التأويل في نفس كل مؤمن أقدم على معصية . قال ابن مفلح : فآدم عليه السلام لم يخرج من الجنة إلا بالتأويل ، فالتأويل لنص الله أخرجه ، وإلا فهو لم يقصد المعصية ، والمخالفة ، وأن يكون ظالما مستحقا للشفاء . انتهى . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 36 ] فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 36 ) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها أي أذهبهما عن الجنة ، وأبعدهما . يقال : زلّ عن مرتبته ، وزل عني ذاك ، إذا ذهب عنك ، وزلّ من الشهر كذا . وقال ابن جرير : فأزلهما ، بتشديد اللام ، بمعنى استزلهما ، من قولك زل الرجل في دينه ، إذا هفا فيه وأخطأ ، فأتى ما ليس له إتيان فيه ، وأزله غيره إذا سبب له ما يزل من أجله في دينه أو